الشيخ الأميني
215
الغدير
الحوار استدام أكثر من شهرين ، وطيلة هذه المدة لم يكن للمتجمهرين طلبة من الخليفة إلا الاقلاع عن أحداثه ، أو التنازل عن عرش الخلافة ، وكانوا يهددونه بالقتل إن لم يخضع لإحدى الطلبتين ، وكانت نعرات القوم في ذلك تتموج بها الفضاء ، وعقيرة عثمان في التوبة تارة وعدم التنازل أخرى وتخويفهم بمغبات القتل ثالثة تتسرب في فجوات الجو ، فلو كان معظم الصحابة منحازين عن ذلك الرأي لكان في وسعهم تفريق الجمع بالقهر أو الموعظة ، لكن بالرغم عما يزعم عليهم لم يؤثر عن أحد منهم ما يثبت ذلك أو يقربه ، وما أسلفناه من الأحاديث الجمة النامة عن معتقدات الصحابة في الخليفة وفي التوثب عليه تفند هذه المزعمة الفارغة ، إن لم نقل أنها تثبت ما يعلمه الكل من الإجماع على مقت الخليفة والتصافق على ما نقموا عليه والرضا بما نيل منه ، حتى أن أحدا لم يرو عنه أنه ساءه نداء قاتله حين طاف بالمدينة ثلاثا قائلا : أنا قاتل نعثل ( 1 ) . وأما ثاني الاحتمالين فمن المستعصب أن يبلغ سوء الظن بالخليفة هذا المدى ، وإن كانت الصحابة جزموا بذلك ، والشاهد يرى ما لا يراه الغايب ، وقد أوقفناك على قول السيدة عائشة : اقتلوا نعثلا قتله الله وقد كفر . وقولها لمروان : وددت والله أنه في غرارة من غرائري هذه وأني طوقت حمله حتى ألقيه في البحر . وقولها لابن عباس : إياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية . وقول عبد الرحمن بن عوف للإمام أمير المؤمنين عليه السلام : إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي ، إنه قد خالف ما أعطاني . وقوله : عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه . وقوله له : لله علي أن لا أكلمك أبدا . وقول طلحة لمجمع بن جارية لما قال له : أظنكم والله قاتليه : ( فإن قتل فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل ) . وقد مر أن طلحة كان أشد الناس على عثمان في قتله يوم الدار ، وقتل دون دمه وقول الزبير : اقتلوه فقد بدل دينكم .
--> ( 1 ) الاستيعاب 2 : 478 .